محمد متولي الشعراوي
6172
تفسير الشعراوى
فحين يأتي الرسول داعيا إلى الإيمان يصبح من حق السامع لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر ؛ لأن اللّه تعالى قد خلق الإنسان وله حق الاختيار ، أما إيمان الإلجاء والقصر فهو لا ينفع الإنسان . ومثال ذلك : فرعون ، فساعة أن جاءه العذاب أعلن الإيمان « 1 » . فالحق سبحانه وتعالى يقول : . . حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) [ يونس ] وإذا كان موسى - عليه السّلام - قد دعا على قوم فرعون ، فقد سبقه نوح عليه السّلام في مثل هذا الدعاء مما أورده القرآن في قوله : . . رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً « 2 » ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) [ نوح ] واستجاب الحق سبحانه لدعوة موسى عليه السّلام :
--> ( 1 ) قال تعالى : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) [ يونس ] . قيل : هو من قول اللّه تعالى . وقيل : هو من قول جبريل أو ميكائيل عليهما السّلام . ففرعون الذي قال : . . أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 ) [ النازعات ] وقال : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي . . ( 38 ) [ القصص ] جاء الآن عندما عاين الموت وآية اللّه على صدق موسى فنطق بالإيمان ، ورب العزة سبحانه يقول : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 158 ) [ الأنعام ] . ( 2 ) ديارا : أحدا . أي : استئصال كل نسمة كافرة من قوم نوح ، حتى طال هذا ولده من صلبه ، وقد أورد ابن كثير في تفسيره ( 4 / 427 ) حديث ابن عباس ، وعزاه لابن أبي حاتم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لو رحم اللّه من قوم نوح أحدا لرحم امرأة ، لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل ، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها ، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها ، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها ، فلو رحم اللّه منهم أحدا لرحم هذه المرأة » . قال ابن كثير : هذا حديث غريب ، ورجاله ثقات .